يتدرب الأطفال على إدارة المال والتصرف فيه وادخاره انطلاقا من المبالغ البسيطة التي يمنحها لهم آباؤهم بشكل دوري، فيما يلعب الوسط الأسري دورا كبيرا في تعليمهم قيمة المال، فإذا اتخذ الآباء قرارات إيجابية وحكيمة في ما يتعلق بأموالهم وطرق صرفها، فإن الأبناء سيتعلمون ذلك منهم منذ صغرهم، وإذا كان الآباء مبذرين فإنهم سيورثون ذلك لأبنائهم.
تحدّد بعض الأسر مبالغ منتظمة لأطفالها كمصروف جيب، إلا أن هذه المسألة لا يعيرها الكثير من الآباء اهتماما كبيرا لاعتقادهم أن الأهم من ذلك هو توفير متطلبات الصغار، بدلا من منحهم مبالغ مالية يهدرونها في أشياء لا قيمة لها.
لكن خبراء تربويين وعلماء اقتصاد يؤكدون أن مصروف الجيب المخصص للأطفال لا يقدر بقيمته المالية بقدرما هو وسيلة مهمة لتدريب الصغار على تقدير أهمية المال، وتعليمهم كيف يكونون “مستهلكين فطنين”.
كما يؤيد البعض فكرة إدراج القواعد المالية ضمن قائمة المناهج الدراسية الأخرى، وإدراج بعضها في إطار مادة الرياضيات. وخلص بحث إلى أن الكثير من العادات المرتبطة بالنقود تتشكل في سن السابعة.

ويعد مصروف الجيب بمثابة أولى الخطوات التي يخطوها الطفل في مجال الإدارة المالية وأمور البيع والشراء، وكلها تجارب جيدة تصب في خانة تعويد الطفل على تحمل المسؤولية وتطوير مهاراته في التعامل مع المال.
وأظهرت العديد من الدراسات أن تعامل الأطفال مع النقود يحمل في طياته الكثير من الدلالات الوجدانية والاجتماعية التي من شأنها أن تؤثر بصفة مباشرة على شخصياتهم مستقبلا.
ويتطور مفهوم الطفل للمال وقيمته بناء على ما يكتسبه في وسطه الأسري، فإن اتخذ الآباء قرارات إيجابية وحكيمة في ما يتعلق بأموالهم وطرق صرفها، فإن الأبناء سيتعلمون ذلك منهم منذ صغرهم، وإن كان الآباء مبذرين أو بخلاء فإنهم سيورثون ذلك لأبنائهم.
وتقول هنية اليعقوبي (أم لطفل) إنها كانت مخطئة جدا في اعتقادها أن الطفل لا يحتاج إلى المال لأنه يكفي شراء ما يحتاجه أو ما يطلبه من أشياء.
وقالت اليعقوبي لـ”العرب”، “لم أكن أمنح ابني الصغير مبالغ من المال بقدر ما كنت أحرص على تلبية حاجياته من مأكل وملبس ولا أحرمه من أي شيء، لكنني لاحظت، عندما أصبح مراهقا، أنه لا يهتم لقيمة المال ويصرفه في أي شيء معتقدا أن المال يأتي بسهولة أو ينمو على الشجر”.
وأضافت “أعتقد أنني مخطئة جدا وكان يفترض بي أن أدرب ابني منذ مراحله الأولى على معرفة كيفية التعامل مع المال وتوجيهه وإرشاده بخصوص الكثير من الأمور المالية والاستهلاكية، ولكنني أحاول اليوم جاهدة أن أصلح خطئي بأخذه معي إلى السوق أثناء عملية التسوق، وأيضا أقدم له الكثير من النصائح التوجيهية حتى يعرف أين يصرف أمواله وكيف يستفيد منها في أشياء تنفعه ولا تضره”.
فيما اعتبر الصحافي محمد سفينة (أب لطفل) أن مصروف الجيب مهم بالنسبة إلى الأطفال، فهو يعلمهم كيفية التصرف في ما لديهم من موارد مالية سواء بادخارها أو شراء ما يحتاجونه من أشياء معينة كالحلوى والألعاب، لكنه حذر أيضا من المبالغة في منح الأطفال مبالغ مالية كبيرة يهدرونها في أشياء تضرهم أكثر مما تنفعهم.
وقال سفينة لـ”العرب”، “أعتقد أن مصروف الجيب سلاح ذو حدين، فهو من جهة يحتوي على إيجابيّات، لأنه يعلم الطفل التخطيط المالي وتحمل المسؤولية في اتخاذ قراره بنفسه في صرف ما لديه من أموال وبالتالي تطوير مهاراته المالية والحسابية، لكن هناك أيضا الكثير من السلبيات إذا كان المبلغ الممنوح للطفل غير مدروس من طرف الوالدين، فيمكن أن يهدره الطفل في شراء حاجيات غير ضرورية أو مضرة إذا غابت مراقبة الأبوين للطفل ولمشترياته”.
أما سندس الشريف فلا ترى ضرورة في منح الأطفال مبالغ مالية منذ عمر الرابعة أو الخامسة، لكنها تؤكد أن مصروف الجيب مهم بالنسبة إلى الطفل في مراحل لاحقة من العمر لأنه يلعب دورا كبيرا في تطوير شخصيته، وخصوصا بالنسبة إلى الفتيات أكثر من الفتيان.
وقالت الشريف لـ”العرب”، “منح الفتيات الصغار مبالغ مالية صغيرة بشكل دوري يوفر لهن فرص تعلم الاعتماد على أنفسهن في اختيار احتياجاتهن ويشعرهن بالمسؤولية تجاه أنفسهن أو عائلاتهن، وقد لاحظت ذلك في ابنتي التي كانت عندما تمنح مبالغ مالية حتى وهي في سن صغيرة جدا تنفقها على العائلة”.
وأضافت مستدركة “لكن، انطلاقا من تجربتي الخاصة مع ابني، أعتقد أنه يجب الحذر في منح الأطفال الذكور مبالغ مالية كبيرة، حتى بلوغهم سن السابعة عشرة، لأنهم سيهدرون تلك الأموال على الأرجح في شراء أشياء لا منفعة منها، كما أن معظمهم لا يستشيرون والديهم، بل يقتنون ما يحلو لهم حتى لو كانت أشياء تضرهم ولا تنفعهم”.
وتابعت الشريف حديثها موضحة “أغلب الذكور أنانيون بطبعهم منذ الصغر، حتى وإن حاول الآباء بأساليبهم الذكية التخفيف من هذا الشعور بداخلهم، وبالتالي يمكن أن تكون النقود التي تمنح لهم وسيلة خطيرة تسهل عليهم اقناء السجائر والتدخين، وتفتح لهم الطريق نحو الانحراف بشكل عام”.
وبينما يشكو معظم الآباء من إهدار أطفالهم للمال في أشياء لا قيمة لها، ينصح الخبراء بقبول ما يشتريه الأطفال حتى لو كان ذلك لا يروقهم، ومنحهم حيزا من الحرية لإنفاق ما معهم من نقود على ما يرغبون فيه ومن دون حجب المصروف عنهم كوسيلة لمعاقبتهم، من أجل إتاحة الفرصة لهم لتعلم حسن الاختيار وحساب المكسب والخسارة.

وأكدت خبيرة التواصل الألمانية أورسولا فينكلهوفر، على أن مصروف الجيب يعد وسيلة مثالية لتعليم الطفل كيفية التعامل مع النقود.
ولفتت فينكلهوفر إلى أن صرف النقود سريعا على الآيس كريم والكولا مثلا يعد تجربة ذات أهمية كبيرة للغاية بالنسبة إلى الطفل في ما يتعلق بكيفية التعامل مع النقود؛ حيث يتساءل الطفل حينئذ عما إذا كانت الأشياء التي اشتراها ذات أهمية حقا أم لا، ويتعلم بعدها تقسيم مصروف الجيب، كي لا ينفقه كله قبل موعد المصروف التالي. لذا من المهم ألا يقوم الوالدان بإعطاء الطفل المبلغ الناقص.
وشددت الخبيرة الألمانية على ضرورة ألا يقوم الوالدان بتوبيخ الطفل أو توجيه الاتهامات إليه، وبدلا من ذلك ينبغي التحدث معه وتوجيه بعض الأسئلة له من قبيل: هل فكرت جيدًا قبل اتخاذ قرار الشراء؟ هل تحتاج إلى هذه الأشياء حقًا؟
وتنصح فينكلهوفر بإعطاء الطفل مصروف جيب أسبوعيا بدءًا من سن المدرسة، ومصروف جيب شهريا بدءًا من عمر 10 سنوات.
وكشفت بعض الأبحاث أن عادات الأطفال الخاصة بالقرارات المالية تبدأ في التشكل منذ سن السابعة، إذ يكون الأطفال في تلك السن قادرين على فهم التخطيط للمستقبل وتأجيل الإنفاق حتى وقت لاحق وفهم كيف أن بعض القرارات لا رجعة فيها.
وأكد الدكتور ديفيد وايتبريد، من جامعة كامبريدج البريطانية، أن عادات الآباء في إنفاق المال يمكن أن يقتدي بها أطفالهم، ففي مراحل العمر المبكرة لا يُتاح للأطفال التحكم سوى بقليل من المال، ويكون للآباء السيطرة على قرارات الأطفال، وبهذا يكتسبون المهارات الأساسية منهم.
وقال الدكتور سام واس، المحاضر في علم النفس التنموي بجامعة شرق لندن “أتفهم لماذا لا يرى الآباء في تدريب الطفل على أمور البالغين مثل المال أمرا جذّابا”.
وأضاف “هناك جانب مرح في حقيقة أن الأطفال الصغار يعيشون سنواتهم الأولى بتلقائية دون قيود ومشكلات الكبار، لكن إذا كنت تريد أن تقدم لطفلك مهارة تفيده مدى الحياة، فكلما بدأت مبكرا في تعليمه إدارة الذات وأن يتغلب على رغباته كان ذلك أفضل له”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق