في صدر غرفة نومها جلست “تبارك” ذات الأربعة عشر عاما، بملابسها البيضاء وهي تطالع بفرح مرآة كبيرة صفت الى جانبها قناني عطور وعلب ميكياج جديدة، قبل ان تفاجأ بانعكاس صورة زوجها وهو ينزع ثيابه، فأسرعت نحو حقيبتها المركونة جانبا لتخرج منها لعبتها المفضلة وتضمها بقوة الى صدرها.
لم تمر سوى لحظات حتى امتدت يداه الى كتفيها محاولا ضمها وهو يبتسم، قبل ان يمسك بلعبتها ويدفعها جانبا، ثم يبدأ بتقبيلها. تقول: “لم اكن اعي ما يحصل، كنت خائفة وانا احاول التخلص من ذراعيه لكن دون فائدة.. جسدي كله كان يرتجف حين بدأ بنزع ملابسي ثم دفعني للسرير ماسكا بذراعي كي لا أتحرك”.
تضيف: “صرخت مستنجدة بأمي لتخلصني منه.. كانت متواجدة في نفس المنزل، لكن صرخاتي لم تنجدني”.
في هذا الوقت كانت أم تبارك منشغلة بالرقص مع عائلة العريس على أصوات الموسيقى العالية، وتبادل الاحاديث مع عمة ابنتها، وهما ينتظران المنديل الممتزج بالدم يخرج من غرفة ياسر (29 عاما).
مع نهاية الجماع، جلست تبارك مقرفصة وعيناها مليئتان بالدموع. فتح الباب لتدخل عمة تبارك وأمها وهما يهلهلان بعد رؤيتهما المنديل وعليه قطرات من الدم، قاما بتقبيل جبين ياسر ومغادرة الغرفة سريعا، بينما بقيت تبارك منسية في زاوية أسفل السرير وكأنها كائن خفي لم يرها أحد، بحسب قولها.
“لا استطيع اكمال المقابلة”. بنفس متقطع تقول تبارك، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على زواجها من ابن خالتها. بعد لحظات من الصمت تكمل “ربما نكمل المقابلة غدا لأني اشعر بالتعب.. أشعر ان كل الآلام عادت لي”.
الحالة الاقتصادية السيئة والعادات والتقاليد والخوف من المستقبل وغياب برامج التوعية، تدفع عشرات آلاف العوائل الى تزويج بناتهن قبل بلوغ الـ 18 عاما، فيخسرن في الغالب فرص اكمال دراستهم، وتتعرض نسبة كبيرة منهن للتعنيف ولمضاعفات صحية ونفسية، بحسب بيانات تنشرها منظمات وجهات رسمية.
تبارك كانت مجبرة على الزواج كونها تعيش في مجتمع يشجع على تزويج الفتيات في سن مبكر من الأقارب “لمنع وقوعهم في الخطيئة ولحمايتهن من الانحراف والاستغلال” وفق ما يتردد بين العوائل.
قصة تبارك تتكرر لدى عشرات آلاف البيوت، وسط ارتفاع نسب زواج القاصرات في العراق في السنوات الاخيرة، بحسب احصائيات وزارة التخطيط العراقية، مدفوعة بالشعور بغياب الأمن الاجتماعي وتزايد معدلات البطالة والفقر التي وصلت في مناطق جنوب البلاد الى أكثر من 50%.
فرح وألم
“الآلام لم تكن محتملة ولم أكن قادرة على تحريك جسدي” تقول تبارك وهي تصف حالتها بعد الجماع في ليلة زفافها “كنت أطوي رجليَ بذراعيً وأضمها الى صدري، واتقلب يمينا ويسارا من شدة الالم… لم يسمع أحد صرخاتي الصامتة وسط صخب الأغاني واطلاقات الرصاص احتفالا بالعريس الذي خرج متباهيا ومحتفلا معهم”.
بعد ساعة من الرقص، عاد ياسر الى غرفته مجددا وتمدد الى جانب زوجته وهو يلقي عليها كلمات الاعجاب. لم يشعر بألمها. ظل يردد الأمر طبيعي لا تخجلي ستشعرين بالتحسن والمتعة. لم تكن تعرف ما يقوله. بعد دقائق جامعها مرة ثانية. تقول “لم اكن قادرة على الكلام، لكنه استمر”.
أجبرت تبارك في ليلة زواجها على ممارسة الجنس مع زوجها لثلاث مرات، ولم تكن تعلم ان ما يحصل معها انتهاك لطفولتها وحقوقها أو انه اغتصاب تقبله العادات ويقبل به القانون.
ترى الناشطة النسوية سهيلة الأعسم التي تعمل في رابطة المرأة العراقية، ان هذه الممارسة اللا انسانية يقوم بها الرجل بدافع اثبات نفسه وقوته ورجولته من خلال تقديم دليل الاثبات “المنديل الملطخ بالدم” وهي تأتي نتيجة مجتمع ذكوري يحب السيطرة ويربط الرجولة بممارسة الجنس في ليلة الزواج بغض النظر عن استعداد الفتاة وقبولها او رفضها.
وتنبه الى ان هذه الممارسة “مؤذية نفسيا للفتاة، كما انها قد تكون مؤذية جسديا”.
تقول عضو منظمة حقوق المرأة العراقية رؤى احمد ان “معظم النساء اللواتي يتزوجن بسن مبكر يشعرن انهن مرغمات على تلك العلاقة مع الرجل”.
وتضيف هذا ما تقوله معظم النساء اللواتي قبلن التحدث مع الناشطات في المنظمة “كان ينتابهن شعور بانهن مرغمات على اشباع رغبات الزوج، فتتحول الممارسة الجنسية لتلك الفتيات الى عادة لا متعة فيها”.
شرف العائلة
ياسمين (22 عاما) فتاة أخرى واجهت الـ “الاغتصاب الزوجي” بعد ان زوجها أهلها وهي في 16 من عمرها، تقول “ما ان دخلنا غرفتنا حتى انقض عليَ، كنت ادفعه لكنه اصر على ذلك في تلك الساعة، وعندما لم يستطع بسبب امتناعي استخدم أصابعه مما سبب لي ألما شديدا”.
عانت ياسمين في أيام زواجها الأولى من آلام بسبب التبعات الجسدية لعلاقتها بزوجها الذي رفض أخذها الى طبيبة نسائية لمتابعة حالتها.
“ضربني كلما طلبت ذلك” تقول ياسمين وهي تشيح بوجهها بعيدا، وتضيف “لم يكن مهتما بي كل الذي اراده ان يبين رجولته لوالده وامه… ففي ليلة العرس وبحسب العادات اخراج الدم مهم جدا لتكون رجل كامل وتثبت شرف زوجتك وعائلتها”.
تؤكد رؤى أحمد ان بعض الشباب في ايام زواجهم الأولى يلجؤون وتحت ضغط سمعة العائلة الى استعمال العقاقير المقوية واللجوء الى اساليب جماع غير صحية لأجل اثبات الرجولة “ارتباط مفهوم الشرف وعفة الزوجة ورجولة الشاب بغشاء المرأة يدفعه أحيانا الى استعمال اساليب قد لا تكون صحية بل ومؤذية للفتيات”.
خطر يهدد المرأة
الممارسات الجنسية غير الصحية، بما فيه ممارسة الجنس بالقوة مع فتيات صغيرات قد تشكل تهديدا لحياتهن مع احتمال تمزق جدار المهبل، بحسب طبيبة الأطفال ملاذ الربيعي.
تستذكر الربيعي انها استقبلت في احد الايام بالمستشفى الذي كانت تعمل فيه طفلة عمرها 11 عاما وهي تعاني من نزيف حاد “تم اعطاء 11 قنينة دم لها لكنها لم تنجو. بعد دقائق من مفارقتها للحياة قال الاب لزوج ابنته المتوفية والذي يبلغ 37 عاما: ابشر بالعوض”.
وهذه الكلمات يرددها في بداية “فاتحة” الزوجة للزوج، ويقصد بها اعطاء فتاة أخرى للزوج.
تضيف الطبيبة “في بعض الحالات لا يوجد تناسق بين الاجهزة التناسلية للفتاة والرجل مما يجعل عملية الجماع أمرا مستحيلا، وبسبب ضغط الأعراف قد يجامعها بطريقة غير سليمة كما حصل مع ياسمين، وهذا الامر يؤدي الى آلام شديدة تستمر لاسبوع او اكثر، وقد يسبب لها ما يسمى طبيا جرح الجماع الأول والذي يتضاعف ليصل الى المثانة وفتحة الشرج وقد يسبب التهابات مزمنة”.
ياسمين التي انتهى زواجها بعد أقل من عام، ترفض فكرة الزواج مجددا، لخوفها من أي علاقة جنسية على الرغم من مضي خمس سنوات على طلاقها. تقول: “آراهم جميعا مغتصبين ولا يهتمون بنا”.
ترجع الناشطة في منظمة حقوق المرأة العراقية رؤى احمد، ذلك الخوف الى ان الفتيات “لا يتقبلن التغيرات الجسدية التي تحصل معهن بعد قيام الأهل بتزويجهن مما يدخلهن في صراع مع انفسهم، يتحول هذا الصراع الى كره للعلاقات الجنسية وعدم الرغبة بتكرارها”.
وترى الطبيبة ملاذ الربيعي ان الفتاة “تشعر ان جسمها يتعرض للانتهاك وتبدأ بكره جسدها وهذا قد يحولها لانسانة انطوائية ترفض الاندماج بالمجتمع ومن الممكن ان تصل الفتاة الى حالة من الاكتئاب او الانتحار او يقمن بتعنيف أطفالهن وذلك وسيلة لتفريغ الغضب”.
المناطق الحضرية تسجل اعلى نسب بتزويج الفتيات وهن دون سن الـ15 عاما في العراق
ثلث المتزوجات قاصرات
وفق ارقام رسمية فان ثلاث نساء يتزوجن دون الثامنة عشر عاما من كل عشر زيجات تسجل في المحاكم العراقية. وتتوزع هذه الزيجات بين المناطق الحضرية والريفية بشكل متقارب، فنحو 27% من الزيجات التي تحصل في العراق هي لقاصرات.
وتحتل محافظة ميسان المرتبة الاولى للمتزوجات دون سن الرشد بنسبة 35%. وحلت محافظة نينوى وهي ثاني أكبر محافظة بعد العاصمة بغداد بالمركز السابع بين المحافظات التي سجلت اعلى نسب تزويج لقاصرات وبنسبة 27.1% بحسب دراسة اجرتها وزارة التخطيط العراقية.
نسب زواج الفتيات قبل سن البلوغ في العراق، تشهد تصاعدا مستمرا ففي احصائيات للأعوام 1997 و2004 كانت نسبة زواج الاطفال تقدر بنحو 15%. ارتفعت هذه النسبة الى 23% في عام 2007، بحسب المسح الاجتماعي والاقتصادي للاسرة العراقية الذي اجرته وزارة التخطيط.
وحسب أرقام دائرة الاحصاء المركزي، فان فتاة واحدة تتزوج قبل ان تبلغ 15 عاما من كل عشر زيجات، وبشكل دقيق بلغت نسبة الزيجات لتلك الفئة 7.2%، حيث كانت النسبة المسجلة في المناطق الحضرية 7.4% بينما بلغت في المناطق الريفية 6.8%، في حين بلغت نسبة زواج القاصرات فوق سن الـ15 عاما 27.6% في المناطق الريفية وارتفعت في المناطق الحضرية الى 28%.
وتظهر تلك النسب حقيقة ان العوائل في المناطق الحضرية اصبحت مثل المناطق الريفية تزوج بناتها بعمر مبكر، وان العامل المؤثر هنا هو الأمن الاجتماعي اكثر من الوضع الاقتصادي، بحسب الباحث احمد علي.
ويتفق ناشطون ومهتمون بقضايا المرأة ان نسب زواج القاصرات مستمرة بالارتفاع بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية في العراق التي تدفع بالعوائل الى تزويج بناتهن مبكرا للتخلص من نفقات اعالتهن.
في نهاية تشرين الأول 2020 وفي سقف ثلاثة أيام فقط تناولت المواقع الاخبارية وصفحات السوشيال ميديا في اقليم كردستان قصة زواج رجلين في العقدين الرابع والخامس، من فتاتين الأولى تبلغ 13 عاما والثانية 14 عاما، رغم ان القانون لا يسمح بذلك.
تقول ابتسام عزيز، مديرة دائرة تمكين المراة في مجلس الوزراء ان “الزواج المبكر يستمر بالارتفاع نتيجة للنزوح والحرب والفقر، فتجبر العائلات على تزويج الفتيات بسن مبكر”.
وترى نائب رئيس رابطة المرأة العراقية سهيلة الأعسم، ان تلك الارقام “ليست دقيقة”، وتشدد “في الحقيقة ان الارقام اكبر بكثير فمعظم هذه الزيجات تقع خارج المحاكم عند الشيوخ وبالتالي لا يتم تثبيت الزواج الا بعد سنوات من الزواج او عند انجاب الاطفال وهذا يجعل جزء من حالات زواج القاصرات لا يدخل الاحصاءات الرسمية”.
وهو ما أكدته أيضا عضو منظمة حقوق المرأة العراقية رؤى احمد، مبينة ان “العادات بالعراق جرت على تزويج الذكور بفتيات يصغرنهم بكثير، ويتم تربية الفتاة بأن عليها تقديم الخدمات والعناية بالرجل، لهذا نجد العديد من الاشخاص يتزوجون بفتيات صغار، خاصة مع سيادة فكرة الرجل الذي يريد ان يربي الفتاة التي ستشاركه حياته”.
عدا سببي الفقر والنزوح، يضيف الباحث أحمد علي، سببا آخر لزواج القاصرات يتمثل في عدم وجود قوانين تحمي الفتيات من الزيجات المبكرة في المحاكم الشرعية، وفي ظل عدم وجود مراقبة تضمن حصول الفتيات على التعليم الكافي والتوعية التي تؤهلهن لاتخاذ أهم قرار في حياتهن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق