جاري تحميل ... صحيفة الاخبار الجديدة

اعلانت

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

*العراق بين الواقع والتضليل - قراءة في تعقيدات الداخل وأوهام الخارج*




بقلم: ناجي الغزي/ كاتب سياسي


تمرّ الساحة العراقية اليوم بمرحلة دقيقة تتسم بتشابك التحليلات وتضارب الرؤى، حيث بات الخطاب السياسي والإعلامي محمّلاً بتصورات تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة والموضوعية. وفي خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تظهر محاولات لقراءة الواقع العراقي من خلال مرآة خارجية مضلّلة، تبالغ في ربط الأحداث العالمية بالسياق العراقي دون اعتبار لخصوصيته التاريخية والسياسية. هذا الميل نحو التهويل والتخويف لا يساهم سوى في زعزعة ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية، ويؤدي إلى قرارات مرتجلة قائمة على افتراضات مشوشة. وفي ظلّ تحشيدات عسكرية أمريكية في محيط العراق الإقليمي، وخطابات سياسية تعكس صراعات كبرى، يبرز خطاب داخلي يروّج لفكرة أن العراق مقبل على مرحلة خطيرة قد تشمل عقوبات أو تغييرات جذرية في نظامه السياسي. غير أن هذا الخطاب يتغافل عن البنية الجيوسياسية المعقدة للعراق، وعن كونه لم يكن يوماً طرفاً مباشراً في هذه النزاعات، رغم تأثره بها. من هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أكثر واقعية، تتجاوز المخاوف المفتعلة وتستند إلى فهم عميق للواقع العراقي وتحدياته.


*العراق وإيران*


من بين أبرز المغالطات التي يتم تسويقها أن العراق يُحسب تلقائياً ضمن معسكر إيران في الصراعات الإقليمية، وهو طرح يتجاهل الطبيعة المعقدة والمتشابكة للعلاقة بين البلدين. فالعراق وإيران تجمعهما روابط جغرافية، اقتصادية، دبلوماسية، واجتماعية راسخة، لا يمكن اختزالها في حسابات سياسية ضيقة. هذه العلاقة لم تنعكس على شكل *تبعية سياسية*، بل ظلت قائمة على المصالح المشتركة التي تحكمها عوامل التاريخ والجغرافيا، مثل التبادل التجاري واسع النطاق والحدود الممتدة التي تربط البلدين.


أما الفصائل المسلحة التي تتحرك في إطار محور المقاومة داخل العراق، فهي ليست جزء من كيان الدولة الرسمي، ولكنها تعمل وفق أطر شرعية تستند إلى القوانين الدولية، لا سيما *اتفاقيات جنيف الاربعة لسنة 1949 التي اعترفت بحركات المقاومة المنظمة ضد الاستعمار والاحتلال*. كما أن هذه الفصائل لعبت دوراً محورياً في التوازن النوعي والردع الامني والدفاع عن العراق في مواجهة تنظيم داعش، وهو ما جرى ويجري تحت أنظار الإدارة الأمريكية، التي تدرك أن هذه المسألة هي شأن داخلي عراقي لا يمكن تصنيفه ضمن التدخلات الخارجية.


*أجندات إقليمية لتعطيل العراق*


في مقابل هذا الواقع، تشهد الساحة العراقية صراعاً داخلياً يتم تأجيجه عبر أجندات خارجية، تقف وراءها قوى إقليمية مثل تركيا والاردن وبعض الدول الخليجية. هذه الأطراف لا تسعى فقط إلى زعزعة الاستقرار السياسي، بل تحاول خلق حالة دائمة من الفوضى والفتن داخل المجتمع العراقي، عبر دعم جماعات ضغط داخلية أو إشعال أزمات طائفية وسياسية واقتصادية, منها ما يهدد النظام المالي والقطاع المصرفي، وذلك من خلال ايصال تقارير مغلوطة عن البنك المركزي العراقي والتعاملات التجارية الى الخزانة الأمريكية، بهدف إبقاء العراق دولة ضعيفة وهشة، غير قادرة على تحقيق التقدم الصناعي والزراعي والعسكري. فكلما حاول العراق النهوض اقتصادياً أو تعزيز استقلاله السياسي والاقتصادي، تحركت هذه الجهات لإشعال صراعات داخلية وبث السموم الاعلامية والاخبار المفبركة، بهدف عرقلة أي مشروع وطني يمكن أن يعزز من قوته واستقلاله عن التأثيرات الخارجية.


*المعادلة الحقيقية*


على الرغم من التحديات التي يواجهها، فإن العراق يتمتع بمساحة ديمقراطية واسعة، تتيح له ممارسة عملية تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، والفصل بين السلطات، وهو ما يجعله قادراً على إدارة شؤونه بعيداً عن الضغوط الخارجية. هذه التجربة، تفتقدها الكثير من الدول الاقليمية المجاورة، التي تمارس الدكتاتورية السياسية بغطاء تقليدي فاقد للشرعية الديمقراطية.  لكن هذه المكاسب تواجه خطرين:


1. *التضليل الإعلامي*: التهويل الإعلامي والخطاب التخويفي عبر نشر سرديات مبالغ فيها عن انهيار الدولة أو حتمية التدخل الخارجي. الذي يروجه بعض الفاعلين، من السياسيين والاعلاميين سواء في الداخل أو الخارج، بهدف إبقاء العراق في حالة من القلق الدائم، لمنعه من الاستفادة من إمكاناته السياسية والاقتصادية.

  

2. *تعطيل لبعض مؤسسات الدولة*: هناك اختراق واضح لمؤسسات الدولة لافشال الحكومات وتجربتها السياسية، وذلك من خلال توسيع رقعة الفساد في مفاصل الدولة العراقية، أو العرقلة السياسية، ما يخلق انطباعاً بأن النظام غير قادر على الحكم.  


*الوعي كسلاح ضد التضليل*


العراق ليس ساحةً لصراع الدول الكبرى، ولا يمكن اختزال تحدياته في الصراعات الدولية والإقليمية. والتهديد الحقيقي لا يأتي من عقوبات أمريكية وهمية، بل من استمرار النخب في تبني روايات وسرديات خارجية غير منضبطة لا تعكس الواقع، وبعيدة عن مقص الرقيب والمحاسبة القانونية. تتبناها وسائل اعلام مغرضة، في غفلة من المؤسسات الرقابية لشيطنة الدولة العراقية ومؤسساتها, من اجل إعادة عقارب الزمن الى البعث الغابر. 


والحل يكمن في الوعي الداخلي الذي يستند إلى إدراك حقيقة الصراع، بعيداً عن الدعاية السياسية التي تحاول فرض معادلات غير واقعية على المشهد العراقي. فالرهان الحقيقي يتوقف على قدرة العراقيين على حماية سيادتهم وإدارة شؤونهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية، والتوقف عن استيراد سرديات الآخرين، والبدء بقراءة الواقع بعيون عراقية خالصة. والعمل على ترسيخ الاستقرار كمدخل للنهوض السياسي والاقتصادي والعسكري..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

جميع الحقوق محفوظة© صحيفة الاخبار الجديدة