[التصنيع وليس التعريفات الكمركية علاج للعجز التجاري الأمريكي] .
د. هيثم الخزعلي
فاجأ الرئيس الأمريكي العالم بفرض زيادة في التعريفات الكمركية على واردات ١٨٦ دولة تقريبا.
حيث فرض ضرائب بمقدار إضافي ٥٤٪ على واردات الصين و َ٢٥٪ على واردات الصلب والالمنيوم و٥٠٪ على اشباه الموصلات و١٠٠٪ على السيارات الكهربائية،والعديد من الواردات من منتجات طبية حتى بطاريات الليثيوم.
وفرض التعريفات "الكمركية هي محاولة (ترامب) مواجهة اختلالات هيكلية في الاقتصاد الأمريكي عبر السياسات التجارية" .
مدفوعا بعاملين:-
١) الأول :-التأثر بدور التعريفات الكمركية في العصر الأمريكي الذهبي .
٢) الثاني:- الشعور بأن الولايات المتحدة ضحية لاستغلال الآخرين، بسبب اختلال الميزان التجاري لصالح الدول الأخرى.
"والهدف المعلن من زيادة التعريفات الكمركية هو تنشيط القطاع الصناعي وزيادة معدلات التوظيف وتعديل الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة الأمريكية".
"ويعتقد الكثير من الاقتصاديبن العالميين، ان هناك خطأ بتشخيص مشكلة الميزان التجاري الأمريكي، فالحقيقة ان الفجوة التجارية نتيجة (لتفريغ القطاع الصناعي الأمريكي) وليست سببا له " .
فمنذ دخول الولايات المتحدة في عصر (الرأسمالية المالية) واتجاه رؤوس الاموال للإستثمار في الاسهم والسندات وباقي المشتقات المالية، انخفض معدل الاستخدام للموارد الاقتصادية في مجال التصنيع واتخفضت معدلات التوظيف.
مشكلة انخفاض التوظيف و"التفريغ للقطاع الصناعي الأمريكي" بدأت منذ خمسينات القرن الماضي واستمرت حتى ٢٠١٠ وهي سبب رئيسي في العجز التجاري.
وسبب التفريغ الصناعي يعود لتحولات هيكلية قي للاقتصاد الأمريكي.
ويمكن ارجاع اسباب (التفريغ الصناعي) في الولايات المتحدة وقلة التوظيف_حسب وجهة نظر العالم الاقتصادي (ووروك باول ) _ للعوامل الآتية :-
١) زيادة استخدام التكنلوجيا، ومعدل إحلال الالة مكان العامل، أدى لقلة الحاجة للايدي العاملة، والتي عانت من انخفاض معدلات الأجور لفترة طويلة، الا ان انخفاض اسعار السلع المستوردة ، كبح حالة الغضب في القوى العاملة.
ولك أن تتخيل ما الذي سيحدث مع فرض تعريفات كمركية ترفع اسعار السلع ومعدلات التضخم مع شبه ثبات لاجور القوى العاملة منذ ١٥ سنة تقريبا.
٢) تسييل الاقتصاد الأمريكي والاستثمار في المال، حيث أن الاستثمار في القطاع المالي يمتاز بالسهولة وارتفاع نسبة الربح وسهولة تسييل الأرباح وهذا جذب رؤوس الاموال للمضاربة في الاسهم والسندات و المشتقات المالية الأخرى والعقار، بدلا من استثمار هذه الاموال في القطاع الصناعي.
٣) ظاهرة (هروب المصانع،) حيث أن الصين ودول اسيوية تمتاز بوجود مواد اولية وايدي عاملة رخيصة وهي بنفسها أسواق لتصريف المنتجات، وهذا ما جعل المصانع تذهب من الولايات المتحدة للصين ودول غرب اسيا بما يسمى ظاهرة (هروب المصانع ).
والحقيقة آن اي تغيير في النظام الاقتصادي او تغير الاسعار، سيؤدي إلى سعي الشركات والدول للتكيف معه، والبحث عن أسواق جديدة وفتح قنوات اتصال جديدة، وتامين بني تحتية ووسائل لتامين سلاسل التوريد، وهذا يتطلب تكلفة ووقت.
وفي دراسة اجراها (سيمون ايفانيت) واعيد نشرها في (الفايننشال تايمز ) تظهر مدى قدرة الدول على التكيف مع (خسارة السوق الأمريكية).
تظهر هذه الدراسة أن معظم الدول تستطيع التكيف خلال اربع سنوات، والصين ربما تحتاج سنتين إلى سنتين ونصف، فحصة السوق الأمريكي بالنسبة للصادرات الصينية تشغل ١٤٪، ويساهم الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأمريكية ب٣٪ من الناتج المحلي الاجمالي للصين..
فالشركات الصينية استطاعت منذ ٢٠١٨ _عندما فرض الرئيس ترامب تعريفات كمركية على الصادرات الصينية _ تطوير قدراتها الإنتاجية ، وازداد الطلب عليها محليا، ثم استمرت بتوسبع تجارتها مع الاسواق غير الأمريكية. في الجنوب العالمي، لذا البنية التحتية والقنوات الشخصية وشبكات الدفع تم تكييفها مع الوضع الجديد منذ ذلك الوقت .
واذا كان هدف الحكومة الأمريكية توسيع قطاع الصناعة الأمريكي فلن يتم ذلك عبر التعريفات الكمركية.
لان صورة " الصناعات التحويلية" كونها تضم معامل بها عدد كبير من العمال غير متعلمين او متوسطي التعليم مع مهارات فنية، غير موجودة في القطاع الصناعي الحديث ..
حيث تتم زيادة (اتمتة الصناعات) بشكل متزايد وهذا يتطلب مجموعة كاملة من المعدات الرأسمالية، والبنية التحتية التقنية ومجموعة من المهارات في القوى العاملة.
و اعداد هؤلاء العمال المناسبين غير كافية في الولايات المتحدة.
إن تطوير القطاع الصناعي الأمريكي واعادة احيائه حسب آراء الكثير من الاقتصاديبن، تحتاج عدة أمور وبعضها ينطبق على كل دول العالم ومنها (العراق) ، وهذه الأمور :-
١- تقليل هيمنة" الاقتصاد المالي" الذي يوفر أرباح طائلة بسهولة بالإضافة لسهولة تسييل الأرباح فيه وجذبه لمعظم رؤوس الاموال والاستثمارات. وهذا يحتاج التزام راس (المال النقدي) بالعمل في "التنمية الصناعية" بدلا من الاقتصاد المالي والمضاربة في الاسهم والسندات وايضا العقارات.
٢- يجب زيادة استيراد الولايات المتحدة للكثير من راس المال الثابت (المكائن والمعدات ) للصناعات المختلفة، لان الولايات المتحدة لا تنتج الكثير منها لأنواع الصناعات المختلفة، وهذا يتطلب زيادة (العجز التجاري) قبل بناء قدرتها الصناعية الخاصة.
فإذا استوردت من اليابان او ألمانيا او كوريا الجنوبية ستكون التكاليف أعلى من الصين، وسيكون بناء القطاع الصناعي اكثر كلفة .
٣- زيادة استيراد (السلع الوسيطة) في الصناعات التحويلية حيث لاتمتلك الولايات المتحدة الكثير من مصانع السلع الوسيطة.
٤- أيضا يحتاج التصنيع الإمدادات طاقة موثوقة منخفضة التكلفة ومستقرة، لتشغيل الروبوتات و تكنولوجيا المعلومات والبيئة الحسابية التي تحتاجها لتشغيل هذه الا الات.
٥- كما تحتاج بنية تحتية للاتصالات من (الجيل الخامس) ، وهي ضرورية لإدارة الا لات الحديثة وبالإضافة لأهمية (الذكاء الصناعي) في تنسيق سلاسل التوريد والموارد وعمليات التحويل.
٦-أيضا يجب تحول القوى العاملة للمهارات المتقدمة التي يتطلبها التصنيع الحديث سواء في الهندسة بكل انواعها او التصميم وهو يتطلب مستويات عالية من التعليم التقني والحساب.
وهذه الأمور تتطلب التزاما لاجيال لتنمية راس المال البشري والكثير من رؤوس الاموال و الاستثمارات وتطوير البنى التحتية للتصنيع. لإنتاج نظام بيئة صناعية متطورة.
والذهاب التعريفات الكمركية ربما تعقد المشهد بدل من حله.
حيث أن ما ستفعله" التعريفات الكمركية" زيادة معدلات الاسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة والفقر وربما دخول الاقتصاد الأمريكي بحالة (التضخم الركودي )..
ومع حكومة بها ١٣ ملياردير، أعتقد أن الحالة المعيشية لدافع الضرائب الأمريكي، بعيدة عن تصوراتهم.
(واذا أردنا آن نهلك قرية أمرنا مترفيها... .. ) صدق الله العلي العظيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق