"إحياء النخبة.. نحو وعي يقود النهضة"
كتب رياض الفرطوسي
في زمنٍ باتت فيه الأصوات العالية تطغى على الحكمة، وتحولت ساحات الحوار إلى ميادين صراع، يُطرح تساؤلٌ مصيري: هل انكفأت النخبة على ذاتها، أم أنها همّشت عمداً؟ وأين دور المؤسسات الثقافية والإعلامية في إعادة الاعتبار لها؟
كان العراق، وما زال، منارةً للفكر وملتقى للحضارات، لكننا اليوم نشهد تراجعاً خطيراً لدور النخبة، وسط طوفان من الخطابات الشعبوية التي تتغذى على الانفعال، لا على المنطق. إن تجاهل المثقفين أو تهميشهم يترك الفراغ مفتوحاً أمام الأصوات التي لا تملك سوى الصراخ.
المعضلة ليست فقط في ابتعاد النخبة عن المشهد، بل في عدم إتاحة المساحة لها للتأثير والتوجيه. هل يتحمل المثقفون جزءاً من المسؤولية بانكفائهم على أنفسهم؟ أم أن أصحاب القرار لم يدركوا بعدُ أن دعم الفكر والثقافة والتخطيط هو حجر الأساس لأي نهوض حضاري؟ إن صناعة الوعي ليست مسؤولية فردية، بل منظومة تتكامل فيها الإرادة السياسية مع المؤسسات الثقافية والإعلامية.
كلنا يعلم أن العراق والمنطقة تمرّ بمرحلةٍ صعبة وفارقة، وأن وعي الشعب العراقي ونخبته المثقفة، وصبره، ووقوفه خلف قيادته، ضرورةٌ ملحّة، وهو مربط الفرس، وحجر الزاوية في مواجهة التحديات. ولكن هل يمكن تحقيق ذلك دون تسليط الضوء على العقول المفكرة؟ هل يمكن بناء دولة حديثة دون منح الفكر والتخطيط والاستشراف مكانته الحقيقية؟
الشعب العراقي لديه من الوعي ما يكفي لكشف وفضح ما يستهدف الوطن، لكنه يحتاج إلى خطاب يرشده ويقوده، لا إلى فوضى تصيبه بالارتباك. إن معركة الوعي لا تقتصر على كشف المؤامرات، بل تتطلب تعزيز الانتماء، وتحفيز التفكير النقدي، وصناعة خطاب عقلاني بعيد عن الاستقطاب.
الإعلام الرسمي، والمؤسسات الثقافية، وأصحاب القرار، جميعهم معنيون بهذه القضية، فإما أن يكونوا رافعة للثقافة والفكر، وإما أن يظلّوا متفرجين على مشهدٍ تتراجع فيه القيم الفكرية لصالح الإثارة والتضليل. ليس المطلوب أن نكون شهوداً على هذا الانحدار، بل أن نعيد الاعتبار إلى العقل والمنطق.
إن معركة الوعي ليست ترفاً، بل معركة بقاء. فإما أن نرتقي بفكرنا، ونعيد المثقف إلى موقعه الطبيعي، وإما أن نستسلم لفوضى الجهل والتهميش. فهل نحن مستعدون لدعم النخبة، أم سنتركها وحيدة في معركتها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق